Friday, 1 September 2023

الفرق بين معين يقضي بينهم و معين يفضل بينهم

الفرق بين معنى (يقضي بينهم) ومعنى (يفصل بينهم) 

زياد السلوادي

أصل اللغة العربية – وربما أصل اللغات جميعاً- هو اللسان العربي المبين، تم وضعه في السماء، ثم علمه الله عز وجل الإنسان، لكي يتواصل الناس به معاً، (الرحمن، علم القرءان، خلق الإنسن، علمه البيان) الرحمن: 1-4. نقول ذلك لأننا نجد أن أصل المعاني يرجع في اللسان العربي الى حرفين اثنين فقط يحملان معنى عاماً وشاملاً تندرج في إطاره معانٍ فرعية يبلورها الحرف الثالث المختلف في كل مرة ليؤتي المعنى الفرعي، ولكن هذا المعنى الفرعي يظل يحمل المعنى العام الشامل مهما تبدل الحرف الثالث المضاف الى الحرفين الأول والثاني، والأمثلة على ذلك توضح لنا هذا الأمر، فإذا أخذنا الحرفين (ج، ن) وجدنا أن المعنى العام الذي يحملانه هو (الانحراف). وإذا وضعنا حرفاً ثالثاً مختلفاً في كل مرة وجدناه يبلور لنا معنى جزئياً ولكن يظل خاضعاً للمعنى العام، فإن قلنا (جنب) فهو الجزء من الشيء المنحرف عن وجهه، وإن قلنا (جنح) فالجناح هو الجزء الجانبي المنحرف من الطائر، والجناح بضم الجيم هو الملامة على سلوك منحرف عن الصواب (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم..) البقرة: 198. وإن قلنا (جند) فالجنود لهم لباس خاص ومهمات خاصة بهم وكأنهم بذلك انحرفوا عن سياق الحياة المدنية العادية، وإن قلنا (جنف) فالجنف هو الانحراف عن الحق (فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه) البقرة: 182. وإن قلنا (جنن) أفاد المعنى انحرافاً كلياً واختفاء عن النظر، فالجنين مختف عن النظر في رحم الأم، والجن مخلوقات مختفية عن نظرنا، والجنن وهو القبر يخفي الميت عن الأعين، والجنة لها أشجار ملتفة تخفي من فيها وما فيها عن النظر، وجن الليل أي أخفى بظلامه الأشياء عن النظر، والمجنون هو من انحرف عقله عن الاستقامة. 
وإذا أخذنا الحرفين (ن، س) وجدنا أن المعنى العام الذي يحملانه هو (الترتيب والتسلسل)، وإذا وضعنا بعدهما حرفاً ثالثاً تشكل المعنى الجزئي بما لا يخالف المعنى العام، فإن قلنا (نسب) فإن نسب المرء أن يقال فلان بن فلان بن فلان في ترتيب وتسلسل، وإن قلنا (نسج) فإن النسيج هو ضم خيط الى خيط الى خيط، وإن قلنا (نسخ) فإن النسخ هو كتابة حرف بعد حرف بعد حرف أو محوها حرفاً بعد حرف لأن الكلمة من المتضادات، وإن قلنا (نسف) فإن النسف هو تحطيم الشيء المرتب والمصنوع بعناية (وانظر الى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا) طه: 97. وإن قلنا (نسك) فالمناسك هي السلوك التعبدي المنظم ذو الخطوات المتتالية كمناسك الحج (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله..) البقرة: 200. وإن قلنا (نسق) فالنسق والتنسيق يعني الترتيب والتنظيم بين الأشياء، وإن قلنا (نسل) فهو نقض الغزل عن طريق سحب خيط بعد خيط بعد خيط، وكذلك النسل هو إنجاب الولد بعد الولد بعد الولد (ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) السجدة: 8. وإن قلنا (نسأ) فالنسيء هو الشيء المؤجل يوما بعد يوم بعد يوم. 
هذا هو نظام اللسان العربي المبين، فالمعنى كامن في حرفين اثنين فقط هما جذر الكلمة العربية التي يشتق منها العديد من المشتقات، ولا يعقل بحال أن يكون هذا التنسيق العظيم وهذه الهندسة العجيبة من صنع البشر. 
وحين تداول العرب هذا اللسان المبين على مدى السنين داخله الانحراف من خلال استعمالهم للمعاني المتقاربة ليحل بعضها محل بعض فيما عرف بالمترادفات، واللسان العربي المبين يخلو من هذا الترادف، فلكل كلمة منه معناها الخاص والدقيق والذي لا تغني عنه كلمة أخرى مهما تقاربت المعاني، وقد تجد الكلمة الواحدة تحمل العديد من المعاني ولكن لا تجد كلمتين تحملان معنى واحداً، ولم ينته بالعرب وضعهم للمترادفات بل لقد تغير اسم اللسان العربي المبين عندهم الى (اللغة العربية) في إساءة غير مقصودة للسان العربي لأن اللغة مشتقة من (اللغو) الذي هو توافه الكلام.
من هنا نجد أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، تصيب فيه كل كلمة معناها الدقيق الذي لا تغني عنه كلمة غيرها، فنجد أن كلمة (يقضي) وكلمة (يفصل) في قوله تعالى:
(إن ربك يقضي بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون) يونس: 93.
وقوله تعالى:
(إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون) السجدة: 25.
لا يصلح أن تستبدل إحداهما بالأخرى، لأن كلتا الكلمتين قد وردت في سياق معنوي دقيق جداً، حين يتكشف لنا تظهر عظمة لسان القرآن الكريم اللسان العربي المبين.
فكلمة (يقضي) في معنى الحكم بين فرقاء مختلفين لم ترد في القرءان الكريم إلا في سياق الحكم على خلاف بين فرقاء على ملة واحدة، حيث وردت ثلاث مرات كلها في بني إسرائيل:
(ولقد بوأنا بني إسرءيل مبوأ صدق ورزقنهم من الطيبت فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون) يونس: 93.
(إن هذا القرءان يقص على بني إسرءيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين، إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم) النمل: 76-78.
(ولقد ءاتينا بني إسرءيل الكتب والحكم والنبوة ورزقنهم من الطيبت وفضلنهم على العلمين، وءاتينهم بينت من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون) الجاثية: 16-17.
أما كلمة (يفصل) في معنى الحكم بين فرقاء فقد وردت هي الأخرى ثلاث مرات ولكن في سياق الحكم بين فرقاء بعضهم على ملة الكفر وبعضهم الآخر على ملة الإيمان كما يلي: 
(إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصبئين والنصرى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيمة إن الله على كل شيء شهيد) الحج: 17.
حيث أن الآية تذكر ست ملل بعضها على الإيمان وبعضها على الكفر.
(إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون، لن تنفعكم أرحامكم ولا أولدكم يوم القيمة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير) الممتحنة: 2-3.
حيث يتحدث السياق عن مشركي قريش (ملة الكفر) وحربهم على المؤمنين (ملة الإيمان) رغم أن من بين الفريقين آباء وأبناء وأرحاماً هنا وهناك في كلا المعسكرين.
أما المرة الثالثة في سورة السجدة فإن السياق يمتد من الآية 18 الى الآية 26 كما يلي:
(أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستون، أما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فلهم جنت المأوى نزلاً بما كانوا يعملون، وأما الذين فسقوا فمأوىهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون، ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون، ومن أظلم ممن ذكر بـءايت ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون، ولقد ءاتينا موسى الكتب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلنه هدى لبني إسرءيل، وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بءايتنا يوقنون، إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون، أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مسكنهم إن في ذلك لأيت أفلا يسمعون) السجدة: 18-26.
فنجد السياق يبدأ بالحديث عن مشركي العرب الفاسقين ويتوعدهم بالعذاب، فهم المعنيون بالحديث عن الفصل بينهم يوم القيامة، أما ذكر بني إسرائيل في السياق فلا علاقة له بالفصل بينهم يوم القيامة لأن السياق لم يذكر منهم إلا المؤمنين الذين جعل الله منهم أئمة هداة وكانوا صابرين موقنين، وأما الفصل فسوف يكون بين من مات على ملة الشرك من العرب وبين من أسلم منهم قبل نزول الآيات وبعده.
من هنا نفهم أن:
يقضي: ترد في سياق الحكم بين فرقاء من ملة واحدة.
يفصل: ترد في سياق الحكم بين فرقاء من ملل مختلفة بعضها كفر وبعضها إيمان، كما تحمل الكلمة معنى التفريق المكاني أيضاً حيث بعضهم الى الجنة وبعضهم الى النار.
والله تعالى أعلى وأعلم.

No comments:

Post a Comment